السعودية تحثّ العائلات الثرية على ضخ أموالها داخليًا مع تعثّر المشاريع العملاقة
كشفت تقارير إعلامية أن المملكة العربية السعودية بدأت بالتحرّك بشكل مباشر نحو العائلات الثرية لحثّها على الاستثمار داخل البلاد، في وقت تواجه فيه المشاريع العملاقة التي روّجت لها “رؤية 2030” تحديات متزايدة، شملت تقليصًا واسعًا وتأجيلًا وإلغاءً جزئيًا لبعض أكثر الخطط طموحًا التي تبنّاها ولي العهد محمد بن سلمان.
وبحسب تقرير نشرته وكالة بلومبرغ، طلب صندوق الاستثمارات العامة السعودي، بالتعاون مع وزارة الاستثمار وجهات حكومية أخرى، من عدد من أغنى العائلات في المملكة زيادة استثماراتها المحلية، والدخول في شراكات أسرع وأكثر مرونة مع مستثمرين أجانب يسعون إلى العمل داخل السوق السعودية.
وجاء ذلك خلال اجتماع عُقد على ساحل البحر الأحمر، في إشارة واضحة إلى تحوّل في أدوات تمويل الدولة بعد سنوات من الاعتماد شبه الكامل على الصندوق السيادي.
ويأتي هذا التحرّك في لحظة حسّاسة تمرّ بها المشاريع الضخمة التي شكّلت واجهة رؤية 2030، بعدما بدأت مؤشرات التعثّر المالي والتشغيلي بالظهور بشكل علني. فقد أفادت وكالة رويترز بأن السعودية أوقفت أعمال بناء مشروع “المكعب” العملاق في قلب الرياض، وهو أحد أبرز رموز التحوّل العمراني الذي روّجت له الحكومة.
كما أعلنت السلطات تقليص حجم منتجع “تروجينا” للتزلج في نيوم، والتراجع عن استضافته لدورة الألعاب الشتوية الآسيوية 2029.
وفي السياق نفسه، كشفت صحيفة فايننشال تايمز أن مشروع نيوم، الذي كان يُسوَّق كمدينة مستقبلية بطول 170 كيلومترًا، يخضع لإعادة تصميم جذرية وتقليص كبير في نطاقه، بما يعكس اعترافًا غير مباشر بعدم واقعية التصورات الأولى، سواء من حيث التكلفة أو الجدوى الاقتصادية.
إعادة ضبط الطموحات
يرى خبراء اقتصاديون أن ما يجري لا يمكن فصله عن إعادة هيكلة شاملة لأولويات الإنفاق في المملكة. فالمشاريع التي طُرحت خلال السنوات الماضية وُصفت مرارًا بأنها فائقة الطموح، بل إن اقتصاديين ومهندسين شككوا منذ البداية في قابليتها للتنفيذ أو قدرتها على تحقيق عوائد مستدامة.
وبحسب محللين تحدثوا إلى موقع “ميدل إيست آي”، تتجه السعودية الآن إلى التركيز على قطاعات تمتلك فيها ميزة تنافسية واضحة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، مستفيدة من انخفاض كلفة الكهرباء التجارية بنسبة تتراوح بين 30 و50 في المئة مقارنة بالمتوسط العالمي، نتيجة وفرة الوقود الأحفوري.
وقد بدأت المملكة بالفعل بشراء رقائق متطورة من شركة “إنفيديا” وبناء بنية تحتية رقمية تمتد من البحر الأحمر إلى الرياض والدمام.
كما تراهن الرياض على التعدين والسياحة بوصفهما ركيزتين إضافيتين للتنويع الاقتصادي، إلى جانب فتح سوق العقارات أمام الأجانب، بعد إقرار قوانين جديدة مطلع العام الجاري تسمح بالتملك المباشر.
نمو بلا سيولة كافية
رغم أن الحكومة السعودية تؤكد تقدمها في مسار تنويع الاقتصاد، إذ بات القطاع غير النفطي يشكّل أكثر من 55 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، ورفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي في 2026 إلى 4.5 في المئة، إلا أن هذه المؤشرات الإيجابية تخفي تحديات مالية عميقة.
فالمشاريع العملاقة لا تزال تعتمد بشكل أساسي على صندوق الاستثمارات العامة، في ظل إحجام المستثمرين الأجانب عن ضخ أموالهم في مشاريع عالية المخاطر مثل نيوم.
كما أن النفط ما زال يشكّل نحو 61 في المئة من إيرادات الدولة، في وقت تدور فيه الأسعار حول 60 دولارًا للبرميل، وهو مستوى أقل بكثير من السعر الذي تحتاجه السعودية لتحقيق التوازن المالي.
ولسد هذه الفجوة، كثّفت المملكة لجوءها إلى أسواق الدين الدولية. ففي عام 2024، أصبحت السعودية أكبر مُصدِر للديون بين الاقتصادات الناشئة، متجاوزة الصين، وفي يناير 2026 وحده باعت سندات دولية بأكثر من 20 مليار دولار.
ورغم الإقبال القوي على الدين السعودي، بدأت مؤشرات شح السيولة تظهر داخليًا، ما دفع ولي العهد إلى مطالبة البنوك الحكومية بتوسيع الإقراض للقطاع الخاص والشباب الراغبين في شراء المنازل.
لكن البنوك نفسها واجهت ضغوطًا، واضطرت إلى الاقتراض من الأسواق نتيجة متطلبات رأسمالية أعلى، ما أعاد العائلات الثرية إلى الواجهة باعتبارها مصدر تمويل محتمل قادر على سد الفجوة.
وتسيطر هذه العائلات على مليارات الدولارات من خلال مكاتب استثمار خاصة، ما يجعلها شريكًا مغريًا للدولة في هذه المرحلة. ورغم أن تقرير بلومبرغ لم يشر إلى توتر مباشر بين الطرفين، فإن العلاقة بين السلطة وهذه العائلات تحمل تاريخًا معقّدًا.
ففي عام 2017، احتجز ولي العهد عشرات من كبار رجال الأعمال والأمراء في فندق “ريتز كارلتون” بالرياض ضمن ما وصفه بحملة مكافحة فساد، وأُجبروا على دفع مليارات الدولارات مقابل الإفراج عنهم، بينما نُقل آخرون إلى السجون، وسط تقارير غربية تحدثت عن تعذيب وإكراه.
واليوم، تعود العائلات الثرية إلى واجهة المشهد، لا كخصوم محتملين، بل كرافعة مالية تحتاجها الدولة بشدة، في ظل انكشاف حدود نموذج المشاريع العملاقة، وتراجع قدرة الخزينة على تمويل الطموحات بلا شركاء داخليين.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73810



