الإيكونومست: الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن يتحول إلى صراع مفتوح
لم تعد الحرب في اليمن مواجهة تقليدية بين الحوثيين والتحالف الذي تقوده السعودية وتشارك فيه الإمارات، بل تحوّلت في فصلها الأحدث إلى صراع مفتوح داخل هذا التحالف نفسه، بحسب ما أبرزت مجلة الإيكونومست.
وأشارت المجلة إلى أنه بعد أكثر من عقد على اندلاع النزاع، انقلبت القوى التي قاتلت في خندق واحد على بعضها، ما أعاد رسم خريطة الصراع وعمّق الشرخ بين الرياض وأبوظبي.
ففي الثاني من ديسمبر/كانون الأول، شنّ المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، هجومًا واسعًا في جنوب شرق اليمن. وخلال أيام، سيطر على أراضٍ كانت خاضعة لفصائل مدعومة من السعودية، وبسط نفوذه على المحافظات الثماني التي شكّلت دولة جنوب اليمن السابقة قبل الوحدة عام 1990. هذا التحول السريع نقل مركز الصراع من مواجهة الحوثيين إلى صدام مفتوح بين حلفاء الأمس.
وقد فاجأ الهجوم معظم المراقبين. ولا يزال الجدل قائمًا حول دوافعه المباشرة. يرى بعض المحللين أن المجلس الانتقالي تحرك استباقيًا خشية أن تؤدي مفاوضات سلام محتملة بين السعودية والحوثيين إلى تهميشه. ويرجّح آخرون أن العملية جاءت ردًا على صراعات محلية في حضرموت، حيث حاولت قوى قبلية مدعومة من الرياض تعزيز نفوذها.
والتوقيت زاد من تعقيد المشهد. فقبل الهجوم بأسبوعين، زار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان واشنطن، حيث ناقش مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ملف الحرب في السودان. تدعم السعودية الجيش السوداني، بينما تُتهم الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، رغم نفيها.
وأثار حديث ولي العهد عن احتمال توسيع العقوبات الأميركية على هذه القوات شكوكًا سعودية بأن أبوظبي رأت في ذلك استهدافًا غير مباشر لها.
وتعتقد الرياض أن الإمارات ردّت على هذا السياق السياسي عبر تحريك المجلس الانتقالي في اليمن، وهو اتهام لم تعلّق عليه أبوظبي رسميًا. لكن التوتر انعكس بوضوح في حملات متبادلة على وسائل التواصل الاجتماعي، ما أكد أن الخلاف خرج إلى العلن.
ميدانيًا، غيّر تمدد المجلس الانتقالي ميزان القوى. فالمناطق التي يسيطر عليها تضم معظم موارد اليمن من النفط والغاز، وهي موارد كانت تشكل شريانًا اقتصاديًا أساسيًا قبل الحرب. هذا الواقع يمنح الانفصاليين نفوذًا تفاوضيًا كبيرًا، لكنه في الوقت نفسه يهدد وحدة المعسكر المناهض للحوثيين.
هذا المعسكر كان منقسمًا منذ البداية. فقد قبلت السعودية العمل مع أطراف مثل حزب الإصلاح المحسوب على الإخوان المسلمين، بينما فضّلت الإمارات دعم قوى علمانية أو مناهضة للإسلام السياسي، مثل المجلس الانتقالي وطارق صالح. وفي عام 2022، حاولت الرياض احتواء هذه التناقضات عبر تشكيل مجلس قيادة رئاسي، جمع بين شخصيات تدعم الوحدة وأخرى تفضّل الانفصال، من دون حل جذري للتناقضات.
اليوم، يخشى دبلوماسيون من تفكك هذا المعسكر بالكامل. ورغم أن احتمال تحالف قوى مدعومة من السعودية مع الحوثيين ضد الانفصاليين يبقى ضعيفًا، فإن سيطرة المجلس الانتقالي تعمّق الانقسامات وتضعف الجبهة المناهضة للحوثيين.
والاختلاف في الرؤية الاستراتيجية يفسّر جزءًا كبيرًا من الخلاف. السعودية، بحكم حدودها الطويلة مع اليمن، تريد دولة مستقرة لا تشكل تهديدًا أمنيًا مباشرًا. أما الإمارات، الأبعد جغرافيًا، فتنظر إلى اليمن كجزء من استراتيجية نفوذ أوسع في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وقد بنت على مدى سنوات شبكة حلفاء محليين في الجنوب.
وأمام المجلس الانتقالي الآن خيارات محفوفة بالمخاطر. إعلان الانفصال قد يمنحه واقعًا سياسيًا جديدًا، لكنه سيؤدي إلى قطيعة حادة مع السعودية، ويقوّض أي تسوية شاملة مع الحوثيين. أما ترسيخ السيطرة من دون إعلان الاستقلال، فيبقى خيارًا هشًا، كما أظهرت الغارات السعودية الأخيرة قرب مواقع يسيطر عليها المجلس، وقصف ميناء المكلا بدعوى وصول أسلحة من الإمارات.
وخلصت المجلة إلى أن السيناريو الأقل تصعيدًا يتمثل في تفاهم سعودي–إماراتي يمنح الجنوب حكمًا ذاتيًا أوسع مقابل الحفاظ على إطار الدولة. غير أن هذا المسار، إن تحقق، سيؤكد حقيقة باتت واضحة بعد سنوات الحرب: مستقبل اليمن لم يعد يُصاغ في صنعاء أو عدن، بل في عواصم داعميه الإقليميين.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73523



